.

آخر الأخبار

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

الفرق الكلامية الإسلامية

فرقة الشَّيْخيَّة
فرقة الشَّيْخيَّة
برز في القرن الثاني الهجري أحد مشايخ الشيعة الإمامية  في منطقة الإحساء شرقي الجزيرة العربية، كان ذا اتجاه فلسفي مغال، وكان غزير التأليف، ونادى في مؤلفاته بأفكار غالية، كانت السبب في نشأة فرقة جديدة قليلة الأتباع  ضمن الشيعة الإمامية تميز أتباعها بمجموعة من العقائد؛ اعتبرها جمهور علماء الشيعة غلوا وانحرافا، بل وصل الأمر ببعض علماء الشيعة إلى حد تكفير أتباع هذه الفرقة الجديدة، لما في أفكارهم من غلو وتفويض يناقض ويخالف أهم أصل من أصول الإسلام، ألا وهو أصل توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. وقد عرف أتباع  هذه الفرقة باسم «الشيخية» نسبة إلى مؤسسها الشيخ أحمد الإحسائي، فمن هو هذا الشيخ؟ وماهي أفكاره؟
ولد الشيخ أحمد الأحسائي في قرية المطيرف من منطقة الإحساء شرقي الجزيرة العربية في شهر رجب من عام 1166هـ/1752م، وتلقى العلوم الابتدائية على بعض مشايخ منطقته، ثم رحل إلى العراق سنة 1186هـ، وعمره ـ يومذاك ـ  عشرون سنة، ليدرس على بعض كبار علماء الشيعة والنجف وكربلاء كالشيخ  محمد الباقر البهبهاني في كربلاء، والسيد المهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء في النجف، وغيرهم، ثم عاد بعد مدة إلى بلاده، وتزوج فيها، ثم هبط البحرين، فسكنها مع عائلته أربع سنوات، وكان يتردد بعد ذلك بين المدة والأخرى إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة، وكان كثير الميل للعزلة والخلوة، وفي سنة 1621هـ، جدد العهد بزيارة العتبات في العراق، ومن هنالك؛ انطلق مع ولده الشيخ علي لزيارة المشهد الرضوي في إيران، ولما وصل إلى يزيد اجتمع إليه بعض أهلهاـ وكان الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي هناك يومئذ ـ وعرضوا عليه البقاء عندهم، فوعدهم بتحقق رغبتهم بعد عودته من زيارة الإمام الرضا. 
ولما عاد من الزيارة استقر في « يزد »، وشرع هناك في التدريس والوعظ، فتألق نجمه، وطار اسمه، وسمع به ملك إيران في حينه السلطان فتح علي شاه القاجاري، فأعجب به، فدعاه إلى القدوم للعاصمة طهران، فاعتذر في البداية لحبه للعزلة وخمول الذكر، لكنه استجاب في النهاية نظرا لإصرار السلطان، واستقبل في طهران بحفاوة، ثم عاد بعد مدة إلى يزيد، ليواصل التأليف وإلقاء الدروس، وكانت له زيارات متعددة لسائر مدن جنوب بلاد فارس كأصفهان وشيراز وجنوب العراق ككربلاء والبصرة، وأخيرا توفي عام 1241هـ. وهو في طريقه إلى الحج على بعد مرحلتين من المدينة، فنقل جثمانه إلى البقيع، ودفن بها.
كان الشيخ الإحسائي  ـ كما يذكر من ترجم له ـ  كثير الذكر، محبا للعزلة عن الناس، كثير الميل إلى حياة الأرياف والصحاري؛ حيث يسود الهدوء، ويسمو الخيال، فعاش الإحسائي في مثل ذلك الجو فترات طويلة وسنين عديدة، فدفع الاستعداد الحاصل له قوة فكره إلى جهة الإشراق، ونمى لديه شعور النيل من عالم الغيب حالة اليقظة والمنام وأخذ يطعم بتلك الخواطر والمكاشفات كلامه إذا تحدث، أودري، وتأليفه متى كتب.وكان عالما تضلع في الفقه والحديث والفلسفة والتفسير، وشارك في العلوم الإسلامية الأخرى التي كانت رائجة في عصره. وكان مفرطا في ولهه ومغالاته في محبة وولاء الأئمة من آل محمد عليهم السلام، إفراطا كان يشطح به عن ضوابط وحدود الشرع، ومزج ذلك بنزعة عرفانية وتفكير صوفي طغى على أسلوبه ، وظهر واضحا في آرائه، وغرق فيه إلى هامته، رغم تنكره للصوفية والعرفاء، وتصديه للرد عليهم. وهكذا ظهرت في مؤلفاته وكتبه العديدة أفكار فيها التفويض؛ أي القول بأن الله تعالى فوض أمر الكون خلقا ورزقا وتدبيرا للأئمة من آل الرسول عليهم السلام، وأن الأئمة مالكو يوم الدين وإياب الخلق يوم المعاد إليهم، وحساب الناس عليهم، وغير ذلك من أفكار الغلو والارتفاع الكثيرة التي ترفع الأئمة الاثني عشر إلى مقام يضفي عليهم الكثير من الصفات الإلهية التي يرى جمهور المسلمين أنها من الصفات الخاصة بالله ـ تعالى ـ لا يشاركه فيها أحد سواه. كما ظهر في أفكاره جليا إنكاره للمعاد الجسماني، وقوله بأن المعاد روحاني محض ـ كقول الفلاسفة ـ وقوله بأن معراج النبي صلى الله عليه وسلم روحانيا، ولم يكن بالجسد والروح، وغير ذلك من الأفكار التي ضلله فيها علماء النجف و إيران.
وكان أهم تلامذته السيد  الكاظم الرشتي الذي اعتبر خليفة الشيخ، حيث استمر ونشط في تثبيت أفكاره من بعده، بل في تطوريها زيادة الغلو فيه، ولم يقعده عن الدعوة تهديد، ولم يثنيه عن المضي في طريقه الرصاص الذي أطلق عليه غير مرة، وقد كان له الأثر البالغ في نشر آراء أستاذه وتعميمها وتركيزها، فقد بدل جهدا مضنيا في الدفاع عنها، وتوجيه المتشابه منها، وتفسيره بما يوافق المعتقد السائد . وترك  ـ كشيخه الإحسائي ـ  كتبا عديدة بالعربية والفارسية.
وقد انقسمت الشيخية بعد كاظم الرشتي إلى مدرستين؛ عرفت الأولى بالشيخية أو مدرسة تبريز، والثانية بالركنية أو مدرسة كرمان، حيث تبنت كل مدرسة مجموعة من الآراء والمعتقدات وتنكرت لها زميلتها.
معتقدات الشيخية والآراء التي خالفوا فيها باقي الشيعة الإمامية:
ترتكز أهم مخالفات الشيخية لعلامة الشيعة الإمامية بأربع نقط؛ هي في الحقيقة أصول الخلاف، والمسائل الرئيسة التي قام حولها النزاع وسجلت عليها المؤخذات، أما بقية موارد الخلاف فهي في الواقع صغروية تتفرغ عنها.
المسألة الأولى: قضية المعاد:
أي كيفية عودة الناس للحساب يوم القيامة، حيث ذهب الشيخ الإحسائي  ـ رأس المدرسة ـ إلى روحانيته، وأقواله فيه صريحة  لاتقبل التأويل، إلا أنه قد تراجع عنه على أثر قيام الظاهريين عليه، وقال بجسمانيته، وعمد إلى تأويل أقواله بما يوافق الظاهريين، غير أن ذلك لم يجده شيئا.وجاء من بعده تلميذه وخليفته الرشتي، فنفى عن أستاذه تلك القولة ، واعتبرها اتهاما له، واعتذر عنه بمختلف الأساليب، وفي أقواله مغالطة واضحة وتمحمل مكشوف، ويبدو أنه كان كثير التحفظ من الهفوات عندما سأل عن كيفية المعاد؛ فقد كان يتناول عموميات المسألة، ولا يتطرق إلى خصوصياتها تفاديا للمشاكل، وربما بالغ في ترضية الظاهريين لحد تكفير القائلين بروحانية المعاد فقط.
وجاء من بعده خليفته جوهر، فلم يختلف في عرضه للمسألة عن أستاذه الرشتى، فقد أيد رأيه ورأي سلفه الإحسائي الأخير من القول بالجسمانية؛ لكنه لوح إلى روحانيته بصورة لاتخفى على اللبيب، فقد صرح بتوسط الجسد المثالي بين الجسد العنصري والروحي، وأن المثالي يدخل يوم القيامة في العنصري الذي يقوم للحساب بعد ذهاب كثافة العارضة، ويبدو واضحا أنه لم يستطع أن يكتم ما يعتقده.
المسألة الثانية: موضوع كفية معراج النبي صلى الله عليه وسلم:
هل أنه كان روحيا أم جسمانيا وروحانيا؟ حيث ذهب الشيخ الإحسائي إلى كونه روحانيا، واعتقد بأن جسم النبي صلى الله عليه وسلم قد تلطف عند صعوده إلى عالم الكون، ولم يكن بهذا الجسد الكثيف، بل أنه ألقى في كل كرة ما يناسبها، فألقى ترابه في التراب، ومائه في الماء، وهوائه في الهواء، وناره في النار، وأنه لما رجع أخذ من كل كرة ما ألقي فيها؛ لأن صعود عناصره يقتضي الخرق والالتئام في الأفلاك.وتراجع بعد ذلك فناقض نفسه، وقال إنه صعد بجسمه وعمامته وثيابه ونعليه، وأنه لا مانع  من الخرق والالتئام، وأن الله على كل شيء قدير.
وجاء من بعده خليفته كاظم الرشتي، فاقتفى أثره، وأكد أقواله و آراءه، وتحامل كذلك على من يقول بروحانية المعراج.وجاء من بعده خليفته جوهر، فأيد أقوال سلفه الرشتي، فاقتفى أثاره، وأكد أقواله وآراءه، وتحامل كذلك على من يقول بروحانية المعراج. وجاء من بعده خليفته جوهر، فأيد أقوال سلفه الرشتي، وبالغ، حتى أساء الأدب بالنسبة لمقام الرب ، فزعم أن عرش الله تشرف بنعل رسوله! وجاء خلفته الشيخ موسى الإسكوئي، فذهب إلى نورانية جسم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن عناصر جسمه ليست من تلك الكرات حتى يلقيها فيها، وأنها خلقت قبل خلق الكرات بالآف الأعوام في الوقت الذي قال فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما حكاه عنه القرآن الكريم:﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ فكيف نفى بشريته وأدميته وهو القائل : «كلكم لآدم وّآدم من تراب».
ولما جاء نوبة خليفته وولده الشيخ  علي الحائري أعاد أقوال من سبقه، وكرر عبارة ـ أو جسارة ـ جوهر بلفظها.واستمرت مدرسة تبريز بعده في تقليد سلفها في هذا المسألة حتى اليوم.
واختلفت مدرسة كرمان عن مدرسة تبريز في هذه المسألة، فقد أكد رأس مدرستها الحاج محمد كريم خان رأي الإحسائي الأول الصريح بروحانية المعاد، لكنه لم يصرح به جملة وتفصيلا، وتلويحه أبلغ من التصريح فمن يرى أن: مشايخه أشاروا إلى المسّألة من  خلف ألف ستار، ولم يكن ليصلح لزمانهم أكثر من ذلك، وأخر يعتذر؛ بأن خوفه من طغيان النفوس الفرعونية حال دون وضع النقاط على الحروف. و قد أكد غير مرة وكرره بأكثر من أسلوب. ثم عاد كالآخرين، فتنكر لذلك الرأي، وتحامل على الفلاسفة لقولهم به، ورماهم بالجهل بأسرار الخلق واستمر يبرهن ويكثر من الشواهد لدعم قوله.
المسألة الثالثة: مسألة الغلو والتفويض:
وهي أهم المسائل، والحقيقة أنها ليست خاصة بالشيخية، بل أنه يوجد في كل عصر عناصر من الشيعة تدفعهم شدة الولاء والإيمان والحب لأئمة آل البيت إلى تجاوز الحد الذي أمر به، وأقره أهل البيت أنفسهم، فقد نهى الأئمة ـ رضي الله عنهم ـ عن ذلك الغلو مرارا عديدة، وتذمروا ممن كان يرفعهم عن مقامتهم التي أحلهم الله فيها، بل نقموا على أولئك، وأمروا بهجرهم و طردهم، وحرموا على شيعتهم مجالستهم.
وممن تجاوز الحد فرقة الشيخية، فلزعيمها الإحسائي رأي لايقره المعتدلون، وأقواله في ذلك كثيرة لاتحصى، فهو يعتقد أن آل محمد معاني الله ووجه الذي يتوجه إليه الأولياء، والذي يبقى بعد فناء كل شيء، وأنهم العلل الأربع للمخلوقات؛ أي العلة الفاعلية، والعلة الصورية، والعلة الجسمية، والعلة الغائية، وبما أنهم خلق فوق بني آدم فإن أجسامهم لا ترى بالبصر ولا بالبصائر، وأن لهم قدرة منع الرزق عمن يشاءون؛ لأن الخلق عبيد رق لهم إلى كثير من أمثال ذلك.
وجاء من بعده خليفته الرشتي، فنهج الطريق ذاته، وكرر قول أستاذه حول قدرة آل محمد على منع الرزق عن المخلوق، وأنهم معاني الله ومعادن كلمته، واعتبرهم عظمة جبروته وقدرته، وأنهم ربوبية الله أيضا، وأن كلمة خالق لن تليق بذات الله، ولذلك فالمراد بها وبغيرها من الفعال أهل البيت. ومن طريف آرائه أن التنابك خلق مرا بسبب إنكاره لولاية أهل البيت.
وقد أيد ذلك وأوضحه الشيخ موسى الإسكوئي، وأضاف إليه أن الله صور المخلوقات من الأنبياء إلى الجمادات وفق رغبة آل محمد. فمن أقر بولايتهم  في عالم الذََّرِّ خلق حسن الهيئة، ومن أنكرها خلق قبيحا. وقال بطهارة فضلاتهم ومدفوعاتهم. ولا أدري لماذا لم يكن لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نفسه ـ الذي شرف آله  من أجله ـ مثل تلك المزية؛ بحيث يخيره  الله في كيفية إيجاد الخلق وهيئاتهم، وكانت للأئمة من آله فقط؟!
وهكذا سارت مدرسة تبريز خلف قادتها، واتبعت خطى سلفها، وأعاد من تأخر من علمائهم أقوال مشايخه، وأيد مزاعمهم، وتحمس لها. ولم تكن مدرسة كرمان لتختلف عن أختها في الرأي والمعتقد، فالرأي واحد والأقوال متشابهة، فرأسها  الحاج محمد كريم خان يرى أن أهل البيت هم الخلق الأول، والعلل الأربع لباقي الخلق، وأ،هم يفعلون ما يشاءون، ويتولون يوم الجزاء أمر الجنة... والشيعة في نظره غير محاسبين على أعمالهم؛ لأن ولاية آل محمد تطهرهم من كل كل ذنب! وسار خلفاؤه من بعده سيرته، وأمنوا بآل محمد إيمانه، ومؤلفاته طافحة بتلك الآراء والأقوال.  
وخلاصة القول: أن علماء الشيخية قديما وحديثا قد تجاوزوا الحد المسموح به في تقديس آل البيت، وغالوا في حبهم، حتى فوضوا إليهم بعض الأفعال الإلهية، وهم  وإن صرح البعض منهم بأن ذلك تفويض مشيئة لا تفويض شراكة أو استقلال، فإنهم غير معذورين عند المعتدلين من عامة الشيعة؛ لأن الأئمة أنفسهم قد أنكروا ذلك، ونهوا عنه، وحرموا القول به، فضلا عن كون تلك الأقوال تناقض تعاليم القرآن الكريم نصا وروحا، فمنطق القرآن الكريم يقوم على أساس أن الله وحده هو المستحق للعبادة، لأنه بيده الخلق والرزق والإحياء والإماتة والسعادة والشقاء، وأنه مالك يوم الدين، إليه ـ تعالى ـ إياب الخلق، وعليه وحده حسابهم، فلو كان لغيره هذه الأمور ـ والعياذ بالله ـ لاستحق حسب منطق القرآن ـ العبادة ـ أيضا. فالقول بالتفويض إشراك يناقض مقتضى الكلمة الطيبة التي هي أساس دعوة الإسلام ودعوة جميع الأنبياء، ألا وهي كلمة «لا إله إلا الله».
المسألة الرابعة والأخيرة: الإمام الناطق و الركن الرابع:
وخلاصتها: أنه لابد لكال زمان من إمام ظاهر غير الإمام الغائب تكون له الوساطة بينه وبين رعيته، ويجب على العلماء دعوة الخلق إليه، وليس لغيره التصدي للأمور إلا بأمره.وهي تخص مدرسة كرمان وحدها، ولذلك سمي شيخه كرمان بـ «الرُّكنيَّة». وقد ظهرت نواتها الأولى في مؤلفات الإحسائي، وتلقها خليفته الرشتي، فوضحها بعض الشيء. ولما انقسمت الشيخة بعد وفاته، تنكرت مدرسة تبريز للفكرة، وعمد علماؤها إلى ما يدل عليها في مؤلفات الإحسائي والرشتي، فصرفوه إلى معان أخرى، وصارت نصيب شيخية كرمان، فالحاج محمد كريم خان هو الذي تبنى الفكرة، ووضحها.ففي الرسالة التي وجهها إلى أستاذه الرشتي تصريح بذلك. فقد اعتبر الإحسائي قطبا، وأنه الذي يعهد به الرحمن؛ لأنه العقل. وأن الرشتي وريثه في ذلك، وهو القطب من بعده، ومن لم يتوجه إليه في صلاته وسائر أعماله صلى لغير القبلة والوجهة، وسأله عن ولي الأمر من بعده، وأنه لو ادعى الرشتي النبوة لصدقه.وتصريحاته بذلك أكثر من أن تحصى، وهي مبثوثة في مؤلفاته.
وقد اقتفى أثره ولده وخليفته الحاج محمد خان، وصرح به في غير واحد من مؤلفاته ورسائله، فزعم أن وحدة الناطق أمر ثابت قام عليه البرهان من قبل مشايخه ، وأنه يستفيض من الإمام الغائب، ويفيض على الناس، وهو الناطق للنقباء، كما رد على أعلام مدرسة تبريز، ودلل على خطئهم بدعوى متابعة الإحسائي بأن الناطق لا يكون أكثر من واحد، ويقصد بذلك أن وجود أبيه الحاج محمد كريم خان يبطل دعوى الآخرين؛  إذ لم يشركه في أمره أحد. وكرر ذلك بعبارات مختلفة وإيضاحات أكثر، لكنه قد تراجع بعد ذلك، وأخذ يفسر أقوال أبيه التي استدل بها على ركنيته سابقا تفسيرا مغاير للأول، ويذكر لها معان لم يكن لها ربط بها مطلقا، ودافع عن كثيرا، واتهم الناس بعدم فهم مايرمي إليه أبوه.
والمضحك أنه كفر نفسه وأباه ومشايخه الأولين؛ لأنه اعتبر من يذهب إلى ذلك كافرا ملعونا.
واختفت التسمية السابقة ( الإمام الناطق)، وحلت محلها تسمية جديدة ( الركن الرابع)، وأصبح لها مدلول جديد، ومعنى آخر يختلف عن معناها السابق اختلافا كليا، هو: ( موالاة الموالين لآل محمد ومعاداة أعدائهم). وبقي خلفه يعيد، ويصقل، ويفسر، ويؤولّ، إلى أن وصلت النوبة إلى زعيمهم المعاصر الشيخ أبي القاسم الإبراهيمي، فادعى أن ما قاله سلفه هو عين  ما أو جبه العلماء كافة قديما وحديثا، و أشهد الله أن مشايخه يقصدوا غير ذلك، وأن المراد به ليس شخصا معينا. وكذلك الموسوي و كيل مركز كرمان في العراق، فقد أيد تلك المزاعم، ولعن من يعتقد بركنية الحاج محمد خان أو أحد أولاده، ولعن من أبطل النيابة العامة.
مصدر المقال: الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات، النشأة. التاريخ. العقيدة. التوزيع الجغرافي لسعد رستم، أنوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2008، ص:348- 355.
إعداد الباحثة: حفصة البقالي.
برز في القرن الثاني عشر الهجري أحد مشايخ الشيعة الإمامية  في منطقة الإحساء شرقي الجزيرة العربية، كان ذا اتجاه فلسفي مغال، وكان غزير التأليف، ونادى في مؤلفاته بأفكار غالية، كانت السبب في نشأة فرقة جديدة قليلة الأتباع  ضمن الشيعة الإمامية تميز أتباعها بمجموعة من العقائد؛ اعتبرها جمهور علماء الشيعة غلوا وانحرافا، بل وصل الأمر ببعض علماء الشيعة إلى حد تكفير أتباع هذه الفرقة الجديدة، لما في أفكارهم من غلو وتفويض يناقض ويخالف أهم أصل من أصول الإسلام، ألا وهو أصل توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. وقد عرف أتباع  هذه الفرقة باسم «الشيخية» نسبة إلى مؤسسها الشيخ أحمد الإحسائي، فمن هو هذا الشيخ؟ وماهي أفكاره؟
ولد الشيخ أحمد الأحسائي في قرية المطيرف من منطقة الإحساء شرقي الجزيرة العربية في شهر رجب من عام 1166هـ/1752م، وتلقى العلوم الابتدائية على بعض مشايخ منطقته، ثم رحل إلى العراق سنة 1186هـ، وعمره ـ يومذاك ـ  عشرون سنة، ليدرس على بعض كبار علماء الشيعة والنجف وكربلاء كالشيخ  محمد الباقر البهبهاني في كربلاء، والسيد المهدي بحر العلوم، والشيخ جعفر كاشف الغطاء في النجف، وغيرهم، ثم عاد بعد مدة إلى بلاده، وتزوج فيها، ثم هبط البحرين، فسكنها مع عائلته أربع سنوات، وكان يتردد بعد ذلك بين المدة والأخرى إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة، وكان كثير الميل للعزلة والخلوة، وفي سنة 1621هـ، جدد العهد بزيارة العتبات في العراق، ومن هنالك؛ انطلق مع ولده الشيخ علي لزيارة المشهد الرضوي في إيران، ولما وصل إلى يزيد اجتمع إليه بعض أهلهاـ وكان الشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي هناك يومئذ ـ وعرضوا عليه البقاء عندهم، فوعدهم بتحقق رغبتهم بعد عودته من زيارة الإمام الرضا. 
ولما عاد من الزيارة استقر في « يزد »، وشرع هناك في التدريس والوعظ، فتألق نجمه، وطار اسمه، وسمع به ملك إيران في حينه السلطان فتح علي شاه القاجاري، فأعجب به، فدعاه إلى القدوم للعاصمة طهران، فاعتذر في البداية لحبه للعزلة وخمول الذكر، لكنه استجاب في النهاية نظرا لإصرار السلطان، واستقبل في طهران بحفاوة، ثم عاد بعد مدة إلى يزيد، ليواصل التأليف وإلقاء الدروس، وكانت له زيارات متعددة لسائر مدن جنوب بلاد فارس كأصفهان وشيراز وجنوب العراق ككربلاء والبصرة، وأخيرا توفي عام 1241هـ. وهو في طريقه إلى الحج على بعد مرحلتين من المدينة، فنقل جثمانه إلى البقيع، ودفن بها.
كان الشيخ الإحسائي  ـ كما يذكر من ترجم له ـ  كثير الذكر، محبا للعزلة عن الناس، كثير الميل إلى حياة الأرياف والصحاري؛ حيث يسود الهدوء، ويسمو الخيال، فعاش الإحسائي في مثل ذلك الجو فترات طويلة وسنين عديدة، فدفع الاستعداد الحاصل له قوة فكره إلى جهة الإشراق، ونمى لديه شعور النيل من عالم الغيب حالة اليقظة والمنام وأخذ يطعم بتلك الخواطر والمكاشفات كلامه إذا تحدث، أودري، وتأليفه متى كتب.وكان عالما تضلع في الفقه والحديث والفلسفة والتفسير، وشارك في العلوم الإسلامية الأخرى التي كانت رائجة في عصره. وكان مفرطا في ولهه ومغالاته في محبة وولاء الأئمة من آل محمد عليهم السلام، إفراطا كان يشطح به عن ضوابط وحدود الشرع، ومزج ذلك بنزعة عرفانية وتفكير صوفي طغى على أسلوبه ، وظهر واضحا في آرائه، وغرق فيه إلى هامته، رغم تنكره للصوفية والعرفاء، وتصديه للرد عليهم. وهكذا ظهرت في مؤلفاته وكتبه العديدة أفكار فيها التفويض؛ أي القول بأن الله تعالى فوض أمر الكون خلقا ورزقا وتدبيرا للأئمة من آل الرسول عليهم السلام، وأن الأئمة مالكو يوم الدين وإياب الخلق يوم المعاد إليهم، وحساب الناس عليهم، وغير ذلك من أفكار الغلو والارتفاع الكثيرة التي ترفع الأئمة الاثني عشر إلى مقام يضفي عليهم الكثير من الصفات الإلهية التي يرى جمهور المسلمين أنها من الصفات الخاصة بالله ـ تعالى ـ لا يشاركه فيها أحد سواه. كما ظهر في أفكاره جليا إنكاره للمعاد الجسماني، وقوله بأن المعاد روحاني محض ـ كقول الفلاسفة ـ وقوله بأن معراج النبي صلى الله عليه وسلم روحانيا، ولم يكن بالجسد والروح، وغير ذلك من الأفكار التي ضلله فيها علماء النجف و إيران.
وكان أهم تلامذته السيد  الكاظم الرشتي الذي اعتبر خليفة الشيخ، حيث استمر ونشط في تثبيت أفكاره من بعده، بل في تطوريها زيادة الغلو فيه، ولم يقعده عن الدعوة تهديد، ولم يثنيه عن المضي في طريقه الرصاص الذي أطلق عليه غير مرة، وقد كان له الأثر البالغ في نشر آراء أستاذه وتعميمها وتركيزها، فقد بذل جهدا مضنيا في الدفاع عنها، وتوجيه المتشابه منها، وتفسيره بما يوافق المعتقد السائد . وترك  ـ كشيخه الإحسائي ـ  كتبا عديدة بالعربية والفارسية.
وقد انقسمت الشيخية بعد كاظم الرشتي إلى مدرستين؛ عرفت الأولى بالشيخية أو مدرسة تبريز، والثانية بالركنية أو مدرسة كرمان، حيث تبنت كل مدرسة مجموعة من الآراء والمعتقدات وتنكرت لها زميلتها.
معتقدات الشيخية والآراء التي خالفوا فيها باقي الشيعة الإمامية:
ترتكز أهم مخالفات الشيخية لعلامة الشيعة الإمامية بأربع نقط؛ هي في الحقيقة أصول الخلاف، والمسائل الرئيسة التي قام حولها النزاع وسجلت عليها المؤاخذات، أما بقية موارد الخلاف فهي في الواقع صغروية تتفرغ عنها.
المسألة الأولى: قضية المعاد:
أي كيفية عودة الناس للحساب يوم القيامة، حيث ذهب الشيخ الإحسائي  ـ رأس المدرسة ـ إلى روحانيته، وأقواله فيه صريحة  لاتقبل التأويل، إلا أنه قد تراجع عنه على إثر قيام الظاهريين عليه، وقال بجسمانيته، وعمد إلى تأويل أقواله بما يوافق الظاهريين، غير أن ذلك لم يجده شيئا.وجاء من بعده تلميذه وخليفته الرشتي، فنفى عن أستاذه تلك القولة ، واعتبرها اتهاما له، واعتذر عنه بمختلف الأساليب، وفي أقواله مغالطة واضحة وتحمل مكشوف، ويبدو أنه كان كثير التحفظ من الهفوات عندما سأل عن كيفية المعاد؛ فقد كان يتناول عموميات المسألة، ولا يتطرق إلى خصوصياتها تفاديا للمشاكل، وربما بالغ في ترضية الظاهريين لحد تكفير القائلين بروحانية المعاد فقط.
وجاء من بعده خليفته جوهر، فلم يختلف في عرضه للمسألة عن أستاذه الرشتى، فقد أيد رأيه ورأي سلفه الإحسائي الأخير من القول بالجسمانية؛ لكنه لوح إلى روحانيته بصورة لا تخفى على اللبيب، فقد صرح بتوسط الجسد المثالي بين الجسد العنصري والروحي، وأن المثالي يدخل يوم القيامة في العنصري الذي يقوم للحساب بعد ذهاب كثافة العارضة، ويبدو واضحا أنه لم يستطع أن يكتم ما يعتقده.
المسألة الثانية: موضوع كيفية معراج النبي صلى الله عليه وسلم:
هل أنه كان روحيا أم جسمانيا وروحانيا؟ حيث ذهب الشيخ الإحسائي إلى كونه روحانيا، واعتقد بأن جسم النبي صلى الله عليه وسلم قد تلطف عند صعوده إلى عالم الكون، ولم يكن بهذا الجسد الكثيف، بل أنه ألقى في كل كرة ما يناسبها، فألقى ترابه في التراب، وماءه في الماء، وهواءه في الهواء، وناره في النار، وأنه لما رجع أخذ من كل كرة ما ألقي فيها؛ لأن صعود عناصره يقتضي الخرق والالتئام في الأفلاك. وتراجع بعد ذلك فناقض نفسه، وقال إنه صعد بجسمه وعمامته وثيابه ونعليه، وأنه لا مانع  من الخرق والالتئام، وأن الله على كل شيء قدير.
وجاء من بعده خليفته كاظم الرشتي، فاقتفى آثاره، وأكد أقواله و آراءه، وتحامل كذلك على من يقول بروحانية المعراج.وجاء من بعده خليفته جوهر، فأيد أقوال سلفه الرشتي، فاقتفى أثاره، وأكد أقواله وآراءه، وتحامل كذلك على من يقول بروحانية المعراج. وجاء من بعده خليفته جوهر، فأيد أقوال سلفه الرشتي، وبالغ، حتى أساء الأدب بالنسبة لمقام الرب ، فزعم أن عرش الله تشرف بنعل رسوله! وجاء خليفته الشيخ موسى الإسكوئي، فذهب إلى نورانية جسم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن عناصر جسمه ليست من تلك الكرات حتى يلقيها فيها، وأنها خلقت قبل خلق الكرات بآلاف الأعوام في الوقت الذي قال فيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما حكاه عنه القرآن الكريم:﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ فكيف نفى بشريته وآدميته وهو القائل : «كلكم لآدم وّآدم من تراب».
ولما جاء نوبة خليفته وولده الشيخ  علي الحائري أعاد أقوال من سبقه، وكرر عبارة ـ أو جسارة ـ جوهر بلفظها.واستمرت مدرسة تبريز بعده في تقليد سلفها في هذه المسألة حتى اليوم.
واختلفت مدرسة كرمان عن مدرسة تبريز في هذه المسألة، فقد أكد رأس مدرستها الحاج محمد كريم خان رأي الإحسائي الأول الصريح بروحانية المعاد، لكنه لم يصرح به جملة وتفصيلا، وتلويحه أبلغ من التصريح فمن يرى أن: مشايخه أشاروا إلى المسّألة من  خلف ألف ستار، ولم يكن ليصلح لزمانهم أكثر من ذلك، وأخذ يعتذر؛ بأن خوفه من طغيان النفوس الفرعونية حال دون وضع النقاط على الحروف. و قد أكد غير مرة وكرره بأكثر من أسلوب. ثم عاد كالآخرين، فتنكر لذلك الرأي، وتحامل على الفلاسفة لقولهم به، ورماهم بالجهل بأسرار الخلق واستمر يبرهن ويكثر من الشواهد لدعم قوله.
المسألة الثالثة: مسألة الغلو والتفويض:
وهي أهم المسائل، والحقيقة أنها ليست خاصة بالشيخية، بل أنه يوجد في كل عصر عناصر من الشيعة تدفعهم شدة الولاء والإيمان والحب لأئمة آل البيت إلى تجاوز الحد الذي أمر به، وأقره أهل البيت أنفسهم، فقد نهى الأئمة ـ رضي الله عنهم ـ عن ذلك الغلو مرارا عديدة، وتذمروا ممن كان يرفعهم عن مقامتهم التي أحلهم الله فيها، بل نقموا على أولئك، وأمروا بهجرهم و طردهم، وحرموا على شيعتهم مجالستهم.
وممن تجاوز الحد فرقة الشيخية، فلزعيمها الإحسائي رأي لا يقره المعتدلون، وأقواله في ذلك كثيرة لا تحصى، فهو يعتقد أن آل محمد معاني الله ووجه الذي يتوجه إليه الأولياء، والذي يبقى بعد فناء كل شيء، وأنهم العلل الأربع للمخلوقات؛ أي العلة الفاعلية، والعلة الصورية، والعلة الجسمية، والعلة الغائية، وبما أنهم خلق فوق بني آدم فإن أجسامهم لا ترى بالبصر ولا بالبصائر، وأن لهم قدرة منع الرزق عمن يشاءون؛ لأن الخلق عبيد رق لهم إلى كثير من أمثال ذلك.
وجاء من بعده خليفته الرشتي، فنهج الطريق ذاته، وكرر قول أستاذه حول قدرة آل محمد على منع الرزق عن المخلوق، وأنهم معاني الله ومعادن كلمته، واعتبرهم عظمة جبروته وقدرته، وأنهم ربوبية الله أيضا، وأن كلمة خالق لن تليق بذات الله، ولذلك فالمراد بها وبغيرها من الفعال أهل البيت. ومن طريف آرائه أن التنابك خلق مرا بسبب إنكاره لولاية أهل البيت.
وقد أيد ذلك وأوضحه الشيخ موسى الإسكوئي، وأضاف إليه أن الله صور المخلوقات من الأنبياء إلى الجمادات وفق رغبة آل محمد. فمن أقر بولايتهم  في عالم الذََّرِّ خلق حسن الهيئة، ومن أنكرها خلق قبيحا. وقال بطهارة فضلاتهم ومدفوعاتهم. ولا أدري لماذا لم يكن لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نفسه ـ الذي شرف آله  من أجله ـ مثل تلك المزية؛ بحيث يخيره  الله في كيفية إيجاد الخلق وهيئاتهم، وكانت للأئمة من آله فقط؟!
اقرأ المزيد ...

الفرق الكلامية الإسلامية

المعمرية ( من المعتزلة)
المعمرية ( من المعتزلة)
يقول البغدادي عنهم:
أصحاب معمر بن عباد السلمى وهو من أعظم القدرية فرية‏:‏ في تدقيق القول بنفي الصفات ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى والتكفير والتضليل على ذلك‏.‏
وانفرد عن أصحابه بمسائل‏:‏ منها‏:‏ أنه قال‏:‏ إن الله تعالى لم يخلق شيئاً غير الأجسام فأما الأعراض فإنها من اختراعات الأجسام‏:‏ إما طبعاً كالنار التي تحدث الإحراق والشمس والحرارة والقمر التلوين وإما اختياراً كالحيوان يحدث الحركة والسكون والاجتماع والافتراق‏.‏
ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان فكيف يقول‏:‏ إنها من فعل الأجسام وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضاً فلم يحدث الجسم وفناءه فإن الحدوث عرض فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلاً‏.‏
ثم ألزم‏:‏ أن كلام الباري تعالى‏:‏ إما عرض أو جسم‏.‏
فإن قال‏:‏ هو عرض فقد أحدثه الباري تعالى فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام أو ما يلزمه‏:‏ أن لا يكون لله تعالى كلام هو عرض وإن قال هو جسم فقد أبطل قوله‏:‏ إنه أحدثه في محل فإن الجسم لا يقوم بالجسم فإذا لم يقل هو بإثبات الأزلية ولا قال بخلق الأعراض فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه‏.‏
وإذا لم يكن له كلام لم يكن له آمراً ناهياً وإذا لم يكن أمر ونهي لم تكن شريعة أصلاً فأدى واهبه إلى خزي عظيم‏.‏
ومنها‏:‏ أنه قال‏:‏ إن الأعراض لا تتناهى في كل نوع‏.‏
وقال كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام وذلك يؤدي إلى التسلسل‏.‏
وعن هذه المسألة هو وأصحابه‏:‏ أصحاب المعاني‏.‏
وزاد على ذلك فقال‏:‏ الحركة إنما خالفت السكون لا بذاتها بل بمعنى أوجب المخالفة وكذلك مغايرة‏:‏ المثل ومماثلته وتضاد الضد الضد كل ذلك عنده بمعنى‏.‏
ومنها‏:‏ ما حكى الكعبي عنه‏:‏ أن الإرادة من الله تعالى للشيء غير الله وغير خلقه للشيء وغير‏:‏ الأمر والأخبار والحكم فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف‏.‏
وقال‏:‏ ليس للإنسان فعل سوى الإرادة‏:‏ مباشرة كانت أو توليداً وأفعاله التكليفية‏:‏ من القيام والقعود والحركة والسكون في الخير والشر‏.‏
كلها مستندة إلى إرادته لا على طريق المباشرة ولا على طريق التوليد وهذا عجب غير أنه إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان‏.‏
وعنده‏:‏ الإنسان معنى أو جوهر غير الجسد وهو‏:‏ عالم قادر مختار حكيم ليس بمتحرك ولا ساكن ولا متكون ولا متمكن ولا يرى ولا يمس ولا يحس ولا يجس ولا يحل موضعاً دون موضع ولا يحويه مكان ولا يحصره زمان لكنه مدبر للجسد وعلاقته مع البدن علاقة التدبير والتصرف‏.‏
وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمراً ما هو جوهر قائم بنفسه‏:‏ لا متحيز ولا متمكن وأثبتوا من جنس ذلك موجودات عقلية مثل العقول المفارقة‏.‏
ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي سماها إنساناً وبين القالب الذي هو جسده فقال‏:‏ فعل النفس هو الإرادة فحسب النفس إنسان ففعل الإنسان هو لإرادة وما سوى ذلك‏:‏ من الحركات والسكنات والاعتمادات فهي من فعل الجسد‏.‏
ومنها‏:‏ أنه كان ينكر القول‏:‏ بأن الله تعالى قديم لأن قديم أخذ من قدم يقدم فهو قديم وهو فعل كقولك‏:‏ أخذ منه ما قدم وما حدث‏.‏
وقال أيضاً‏:‏ هو يشعر بالتقادم الزماني ووجود الباري تعالى ليس زماني‏.‏
ويحكى عنه أيضاً‏:‏ أنه قال‏:‏ الخلق غير المخلوق والإحداث غير المحدث‏.‏
وحكى جعفر بن حرب عنه أنه قال‏:‏ إن الله تعالى محال أن يعرف نفسه لأنه يؤدي إلى أن لا يكون العالم والمعلوم واحداً ومحال أن يعلم غيره كما يقال‏:‏ محال أن يقدر على الموجود من حيث هو موجود‏.‏
ولعل هذا النقل فيه خلل فإن عاقلاً ما لا يتكلم بمثل هذا الكلام الغير المعقول‏.‏
لعمري‏!‏ لما كان الرجل يميل إلى الفلاسفة‏.‏
ومن مذهبهم‏:‏ أنه ليس علم الباري تعالى علماً انفعالياً أي تابعاً للمعلوم بل علمه علم فعلي فهو من حيث هو فاعل وعلمه هو الذي أوجب الفعل وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة ولا يجوز تعلقه المعدوم على استمرار عدمه وانه علم وعقل وكونه‏:‏ عقلاً وعاقلاً ومعقولاً شيء واحد فقال ابن عباد‏:‏ لا يقال‏:‏ يعلم نفسه لأنه يؤدي إلى تمايز بين العالم والمعلوم ولا يعلم غيره لأنه يؤدي إلى كون علمه من غيره يحصل‏.‏
فإما لا يصح النقل وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل‏.‏
ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجهاً‏.‏
اقرأ المزيد ...

الاثنين، 3 نوفمبر 2014

الدكتور محمد السرار بحرز جائزة محمد السادس لأهل الحديث برسم سنة 1435 هـ

الدكتور محمد السرار بحرز جائزة محمد السادس لأهل الحديث برسم سنة 1435 هـ

الدكتور محمد السرار بحرز جائزة محمد السادس لأهل الحديث برسم سنة 1435 هـ
فاز الدكتور محمد السرار، رئيس مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث والسيرة بالرابطة المحمدية للعلماء، بجائزة محمد السادس لأهل الحديث برسم سنة 1435 هـ.
وقد تسلم الدكتور السرار جائزته من يدي مولانا أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس، بعد صلاة العشاء والتراويح ليوم الخميس 26 رمضان 1435هـ، موافق لـ 24 يوليوز 2014م، بمسجد محمد السادس بمدينة وجدة.
يذكر أن جائزة  محمد السادس لأهل الحديث، تم إحداثها بظهير شريف رقم 1.08.10 صادر في 17 من جمادى الأولى 1429 موافق 23 ماي 2008، جريا على سيرة أسلاف أمير المؤمنين في الاهتمام بالحديث، وحرصا على تشجيع كل عمل يسهم في العناية به، وربطا للشباب بالسنة النبوية المطهرة ورغبة في مكافأة القدرات الوطنية المتميزة في خدمة الحديث رواية ودراية.
وهي جائزة ينالها من يختاره أمير المؤمنين، إما مباشرة، أو على أساس اقتراح من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويسلمها أمير المؤمنين بمناسبة ليلة القدر المباركة.
والدكتور محمد السرار  من مواليد مدينة العرائش، إلى جانب اشتغاله رئيسا لمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث والسيرة بالرابطة المحمدية للعلماء، يعمل أستاذا للتعليم العالي بجامعة القرويين، كلية الشريعة بفاس، كما اشتغل أستاذا زائر بجامعة محمد الخامس بالرباط، وبدار الحديث الحسنية سابق، وعضوا بالمجلس العلمي المحلي للعرائش سابقا،  وعضوا بهيئة التدريس بمعهد تكوين الأئمة والمرشدات سابقا.
من أهم أعماله: "علم الحديث بالمغرب: القضايا والأعلام، و"السفر الثالث من التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة الحافظ: دراسة وتحقيق"، ودليل مخطوطات الحديث والسيرة النبوية بخزائن الكتب المغربي.، وإيضاح السبيل من حديث جبريل لابن الزبير الغرناطي. قيد التحقيق. وعدة مقالات.
اقرأ المزيد ...

الدكتور أحمد عبادي يحاضر بتطوان حول: "إشكال الوجهة في عالم متغير"

الدكتور أحمد عبادي يحاضر بتطوان حول: "إشكال الوجهة في عالم متغير"

الدكتور أحمد عبادي يحاضر بتطوان حول: "إشكال الوجهة في عالم متغير"

بدعوة من فرقة البحث الأدبي والسيميائي، وملتقى الدراسات المغربية الأندلسية، ومختبر النقد الحضاري وحوار الثقافات والأبحاث المتوسطية، وفرقة البحث في الإبداع النسائي، وشعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان حاضر يوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2014م، الدكتور أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء حول موضوع (إشكال الوجهة في عالم متغير) بقاعة محمد الكتاني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وبحضور أكاديمي متنوع التخصصات، حيث اعتبر الأمين العام في مستهل حديثه أن إشكال التوجه أو الوجهة هو موضوع شديد الراهنية لأنه يلامس جملة من القضايا المجتمعية في ظل عالم متغير يتحدى فيه الإنسان لكي يجد وجهته في خضمه.
ومهد المحاضر كلمته (بمسلمة لاشية فيها) وهي ضرورة التسليم بأن العالم اليوم ليس يشبه الأمس القريب، وأن إنسان اليوم ليس يشبه إنسان الأمس القريب، وأن هناك جملة من التغيرات غيرت ملامح العالم وخلخلت مفاهيم التعاطي معه، فالمعلومة بالأمس ليست هي المعلومة اليوم، والقبيلة ليست هي القبيلة، فعالمنا اليوم أصبحت التيارات تتخلق فيه بشكل كبير حاملة معها كثير من التمثلات والتخلقات، الأمر الذي يستدعي حسب المحاضر استدعاء أنواع الأنزيمات الممكنة لاستيعابها وتفكيكها...
ويضيف فضيلة الأمين العام أن السرعة التي يتم فيها النبض الفكري هي سرعة فائقة، وإذا لم يستطع الإنسان أن يولد سرعة مماثلة سوف يجد نفسه موطوءا ومتجاوزا، ومن ثم فنحن أمام أنساق فكرية شاملة بذلت فيها المهج ممكن أن تتعرض للتجاوز إذا لم يكن هناك تحديث وتحيين لها وفق المعطيات الجديدة، ووفق المواقع الجديدة، وهنا يمثل الأمين العام بالتطور المذهبي الذي حصل للإمام الشافعي رحمه الله حيث كان له مذهب قديم، ولما انتقل إلى مصر استدعى الموقع والنسق الفقهي والمستجدات مذهبا جديدا صالحا للتمثل، وهو أمر حاصل حتى في مؤسسة النبوة بتعبير المحاضر حيث نجد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: ( كنت أمرتم بكذا أما الآن...) أو (كنت نهيتم عن كذا فأما الآن...)ـ، ومن ثم كانت ضرورة المواكبة أو (الركمجة) لهذه المتغيرات العالمية ضرورية، وقد رصد خطوطها العريضة في المظاهر التالية:
1- عالمنا انتقل من عالم متناه في الكبر إلى عالم متناه في الصغر تجمعت أطرافه كخلية نحل.
2- اليوم نشهد نهاية برج بابل حيث كانت اللغات حائلة دون التفاهم، فاليوم إتقان اللغات الظاهرة مكّن العالم من قدرة هائلة على التحادث والتخاطب.
3- العالم انتقل من الموجة الصناعية إلى الموجة الرقمية إلى الموجة التكنولوجية حيث غاص إلى أعماق المتناهي بقدرة هائلة على الاكتشاف.
4- عالمنا اليوم يعيش مشاكل مشتركة مثل: الاحتباس الحراري، والإيدز، والإيبولا...
وعليه فإن العقل الذي لا يتحلى بالفتوة والقدرة التمثلية لهذه المظاهر لا يمسك بهذا العالم المتفلت، ومن هنا كان الحديث عن التوجه أو الوجهة، فالإنسان يحسم حيرته المقاصدية بتحديد القبلة باعتبارها مؤشرا على القبلة النهائية، وهي قبلة الله عز وجل، فهي تحسم قدرا كبيرا من الحيرة وتجعل الأمور أكثر تيسيرا، فقول الله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} حسب المحاضر إشارة في غاية الراهنية، حيث أن الموقع هو الذي يحدد القبلة.
والعالم اليوم حسب المحاضر في حاجة إلى هداية وقوة اقتراحية، والأمر منوط بنا أن نقوم بعملية التجديد لهذا الدين ليس على مستوى العبادات والمعاملات فحسب؛ بل أيضا في القضايا المجتمعية والحوار حولها، الأمر الذي يستدعي تجديد آليات العلم واتصاله بالكتاب المسطور والمنظور في حوار مستدام بين الهاديات والأمارات، معتبرا أن العلوم ببلادنا في تسعين بالمائة منها تردادية نردد ما قالوا وما قيل دون التفاعل المباشر مع الكتاب وآيات الآفاق...
يضيف المحاضر: وأول ما يطالعنا في التعامل القرآني مع هذه الآليات هو تحديد القبلة فهو أول عمل موجهة للسلوك البشري (فلنولينك قبلة ترضاها..) فالقبلة رمز وهي انتقال من الأرض إلى السماء (وأن إلى ربك المنتهى..) وهذا التوجه حصر قدرا كبيرا من هذه الحيرة.. وأصبح التوجه أكثر يسرا...فالكعبة والطواف وغيرها من المناسك إشارات وتوجيهات لموقع القوة والتوجيه الأمثل للإنسان في هذا الكون. لذلك كانت القبلة في الصلاة وجهة مثلها مثل المشروع المجتمعي الذي يحتاج إلى وجهة وتوجيه..
ثم إنك حين تصل إلى هذه القبلة فأنت مطالب بالطواف وهو رمز لاستشراف العالم ككل...، ثم التعارف الذي يحتمه وقوفك بصعيد عرفة ضمن مجموعات بشرية من مختلف الأعراق والشعوب (لتعارفوا..) وهي أول الطرق نحو هذا الاستشراف، ثم الإفاضة من عرفات في نوع من الفيض البشري، ثم جمرة العقبة فطواف الافاضة كلها خطوات متتابعة للتعامل بمثلها مع هذا الكون...
إن التوجه الغربي بالحضارة الإنسانية في غفلة عن هذه التوجيهات أوصله إلى التيه والضلال، ومن أجل ذلك فالإنسان اليوم مطالب بضبط التعامل مع مرجعين من أجل استبانة موقعه وقبلته؛ مرجع يدعوك إلى التحرك عبر كتابين: الكوني التكويني والمدون.. فقراءتك للكون وفق (اقرأ..) تتميز بثنائية قراءة الكون (الخلق) وقراءة اكتشاف النشأة (له الخلق والامر..) ومتى انفكت هذه القراءة عن مصدرها تضعف وتفشل وما عمليات التجديد المصاحبة لتحرك الزمن إلا دليل على ارتباط هذا التوجه بالمصدرين السابقين. 
إن آليات التساؤل لتحديد الموقع الجغرافي ضمن الخارطة الكونية ليست هي ذاتها في الموقع الفكري، ونستحضر مرة أخرى عمل الشافعي ما بين العراق ومصر.. فنأخذ من منهجه طريقته التي اعتمدها وآليات اجتهاده ولا نلزم أنفسنا بأي اجتهاد في الأحكام.. لأن الناس في حاجة إلى قوة اقتراحية وإلى هداية كما سبق 
يقول المحاضر: من خلال تتبعنا لهذا الحراك القائم الذي يتطلب منا البحث عن أجوبة للبشرية، ومؤسسة النبوة كفيلة بأن تعطينا النماذج في ذلك..(نحن معاشر الأنبياء إخوة...) قراءة متعددة في إطار مشترك.. ومرحلة ختم النبوة انطلاقا من اختيار المكان (بكة/المكان المزدحم) تطلبت إجابات عن هذه الوجهة الجديدة فكانت آيات القرآن (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين...) (هدى للناس..) هي السبيل إلى ذلك.. وتفسير القرآن لنفسه هو التفسير المعتمد في ذلك، فليس هناك تفسير نهائي كما يقال...
ويضيف قائلا: وعملية القراءة هذه تتطلب كذلك كفايات وقدرات فهي ليسن بالهينة ولكن تتطلب قراءة مقتدرة (الاجتهاد) وذلك استجابة لحاجات هذا الواقع المتجدد، ومن ثم يحتاج الأمر إلى أربعة عناصر: 
- الرؤية: فلا بد من صياغة رؤية حول إدراك هذا العالم المتغير في سرعته وحركته ومتطلباته انطلاقا من مرجعيتك العقدية والفكرية ولهذا الكون أهمية كبرى، فتجديد المصطلح أمر مطلوب انطلاقا من رصد جميع استعمالاته وخصائصه وهذا عمل تأسيسي.
- المركبات المفاهيمية: من أجل حوار منتج فعال لا بد من قراءة هذه المركبات المفاهيمية مثلما فعل الشافعي فتجميع المعلومات أمر مطلوب.
- ترتيب الأولويات في طرح الخطاب: الصورة التي نعكسها نحن عن أنفسنا عبر المواقع الإلكترونية حارقة وفيها كثير من البؤس...
- ضبط الأنساق المعرفية والأطر المرجعية...
- الحكامة والتدبير: تدبير العمل البحثي؛ البحث ضروري وليس تكميلي...فهذا النموذج الرباعي نسترشد به في جميع المجالات.
ويضيف أن المجتمعات اليوم تعيش في أضرب من الحيرة، ويسعى الإنسان إلى البحث عن الهدايات.. التي يتمثلها مفهوم الشخصية؛ فالقيادة تحتاج إلى شخصية معينة من حيث التكوين والكاريزمات، والمفهوم الإسلامي غائب اليوم عن هذا الحوار العالمي.
إن الإلمام بما سبق حسب المحاضر في علاقتنا بالغرب كفيلة بالكشف عن أصول هذه الخلافات: تصفية بقايا الاستعمار، الغطرسة الاسرائيلية، المعايير المزدوجة، الإذلال والإهانة في المواقع الإعلامية (الصورة السلبية للإنسان العربي المسلم عبر المواقع الاعلامية، الخيرات الضائعة، الإشكال الكوكتيلي للعالم (العراق-البوسنة-افريقيا- بورما..) فهذه المسائل تتطلب نظرا وتبصرا، والطفرة المطلوبة انطلاقا من الفطرة الأولى للبشرية، واذا أمعنا النظر في كل ذلك أدركنا كيف لنا أن نعالج إشكال الوجهة في هذا العالم.. فالعدل والكرامة والوحدة أسس لهذا التوجه العالمي اليوم للخروج من أزمة الوجهة.... ولم يبق في ظل كل ذلك غير الكدح والعمل فالطريق سهل والمهيع ميسر...
بدعوة من فرقة البحث الأدبي والسيميائي، وملتقى الدراسات المغربية الأندلسية، ومختبر النقد الحضاري وحوار الثقافات والأبحاث المتوسطية، وفرقة البحث في الإبداع النسائي، وشعبة الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان حاضر يوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2014م، الدكتور أحمد عبادي الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء حول موضوع (إشكال الوجهة في عالم متغير) بقاعة محمد الكتاني بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وبحضور أكاديمي متنوع التخصصات، حيث اعتبر الأمين العام في مستهل حديثه أن إشكال التوجه أو الوجهة هو موضوع شديد الراهنية لأنه يلامس جملة من القضايا المجتمعية في ظل عالم متغير يتحدى فيه الإنسان لكي يجد وجهته في خضمه.
ومهد المحاضر كلمته (بمسلمة لاشية فيها) وهي ضرورة التسليم بأن العالم اليوم ليس يشبه الأمس القريب، وأن إنسان اليوم ليس يشبه إنسان الأمس القريب، وأن هناك جملة من التغيرات غيرت ملامح العالم وخلخلت مفاهيم التعاطي معه، فالمعلومة بالأمس ليست هي المعلومة اليوم، والقبيلة ليست هي القبيلة، فعالمنا اليوم أصبحت التيارات تتخلق فيه بشكل كبير حاملة معها كثير من التمثلات والتخلقات، الأمر الذي يستدعي حسب المحاضر استدعاء أنواع الأنزيمات الممكنة لاستيعابها وتفكيكها...
ويضيف فضيلة الأمين العام أن السرعة التي يتم فيها النبض الفكري هي سرعة فائقة، وإذا لم يستطع الإنسان أن يولد سرعة مماثلة سوف يجد نفسه موطوءا ومتجاوزا، ومن ثم فنحن أمام أنساق فكرية شاملة بذلت فيها المهج ممكن أن تتعرض للتجاوز إذا لم يكن هناك تحديث وتحيين لها وفق المعطيات الجديدة، ووفق المواقع الجديدة، وهنا يمثل الأمين العام بالتطور المذهبي الذي حصل للإمام الشافعي رحمه الله حيث كان له مذهب قديم، ولما انتقل إلى مصر استدعى الموقع والنسق الفقهي والمستجدات مذهبا جديدا صالحا للتمثل، وهو أمر حاصل حتى في مؤسسة النبوة بتعبير المحاضر حيث نجد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول: ( كنت أمرتم بكذا أما الآن...) أو (كنت نهيتم عن كذا فأما الآن...)ـ، ومن ثم كانت ضرورة المواكبة أو (الركمجة) لهذه المتغيرات العالمية ضرورية، وقد رصد خطوطها العريضة في المظاهر التالية:
1- عالمنا انتقل من عالم متناه في الكبر إلى عالم متناه في الصغر تجمعت أطرافه كخلية نحل.
2- اليوم نشهد نهاية برج بابل حيث كانت اللغات حائلة دون التفاهم، فاليوم إتقان اللغات الظاهرة مكّن العالم من قدرة هائلة على التحادث والتخاطب.
3- العالم انتقل من الموجة الصناعية إلى الموجة الرقمية إلى الموجة التكنولوجية حيث غاص إلى أعماق المتناهي بقدرة هائلة على الاكتشاف.
4- عالمنا اليوم يعيش مشاكل مشتركة مثل: الاحتباس الحراري، والإيدز، والإيبولا...
وعليه فإن العقل الذي لا يتحلى بالفتوة والقدرة التمثلية لهذه المظاهر لا يمسك بهذا العالم المتفلت، ومن هنا كان الحديث عن التوجه أو الوجهة، فالإنسان يحسم حيرته المقاصدية بتحديد القبلة باعتبارها مؤشرا على القبلة النهائية، وهي قبلة الله عز وجل، فهي تحسم قدرا كبيرا من الحيرة وتجعل الأمور أكثر تيسيرا، فقول الله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} حسب المحاضر إشارة في غاية الراهنية، حيث أن الموقع هو الذي يحدد القبلة.
والعالم اليوم حسب المحاضر في حاجة إلى هداية وقوة اقتراحية، والأمر منوط بنا أن نقوم بعملية التجديد لهذا الدين ليس على مستوى العبادات والمعاملات فحسب؛ بل أيضا في القضايا المجتمعية والحوار حولها، الأمر الذي يستدعي تجديد آليات العلم واتصاله بالكتاب المسطور والمنظور في حوار مستدام بين الهاديات والأمارات، معتبرا أن العلوم ببلادنا في تسعين بالمائة منها تردادية نردد ما قالوا وما قيل دون التفاعل المباشر مع الكتاب وآيات الآفاق...
يضيف المحاضر: وأول ما يطالعنا في التعامل القرآني مع هذه الآليات هو تحديد القبلة فهو أول عمل موجهة للسلوك البشري (فلنولينك قبلة ترضاها..) فالقبلة رمز وهي انتقال من الأرض إلى السماء (وأن إلى ربك المنتهى..) وهذا التوجه حصر قدرا كبيرا من هذه الحيرة.. وأصبح التوجه أكثر يسرا...فالكعبة والطواف وغيرها من المناسك إشارات وتوجيهات لموقع القوة والتوجيه الأمثل للإنسان في هذا الكون. لذلك كانت القبلة في الصلاة وجهة مثلها مثل المشروع المجتمعي الذي يحتاج إلى وجهة وتوجيه..ثم إنك حين تصل إلى هذه القبلة فأنت مطالب بالطواف وهو رمز لاستشراف العالم ككل...، ثم التعارف الذي يحتمه وقوفك بصعيد عرفة ضمن مجموعات بشرية من مختلف الأعراق والشعوب (لتعارفوا..) وهي أول الطرق نحو هذا الاستشراف، ثم الإفاضة من عرفات في نوع من الفيض البشري، ثم جمرة العقبة فطواف الافاضة كلها خطوات متتابعة للتعامل بمثلها مع هذا الكون..
إن التوجه الغربي بالحضارة الإنسانية في غفلة عن هذه التوجيهات أوصله إلى التيه والضلال، ومن أجل ذلك فالإنسان اليوم مطالب بضبط التعامل مع مرجعين من أجل استبانة موقعه وقبلته؛ مرجع يدعوك إلى التحرك عبر كتابين: الكوني التكويني والمدون.. فقراءتك للكون وفق (اقرأ..) تتميز بثنائية قراءة الكون (الخلق) وقراءة اكتشاف النشأة (له الخلق والامر..) ومتى انفكت هذه القراءة عن مصدرها تضعف وتفشل وما عمليات التجديد المصاحبة لتحرك الزمن إلا دليل على ارتباط هذا التوجه بالمصدرين السابقين.
 إن آليات التساؤل لتحديد الموقع الجغرافي ضمن الخارطة الكونية ليست هي ذاتها في الموقع الفكري، ونستحضر مرة أخرى عمل الشافعي ما بين العراق ومصر.. فنأخذ من منهجه طريقته التي اعتمدها وآليات اجتهاده ولا نلزم أنفسنا بأي اجتهاد في الأحكام.. لأن الناس في حاجة إلى قوة اقتراحية وإلى هداية كما سبق يقول المحاضر: من خلال تتبعنا لهذا الحراك القائم الذي يتطلب منا البحث عن أجوبة للبشرية، ومؤسسة النبوة كفيلة بأن تعطينا النماذج في ذلك..(نحن معاشر الأنبياء إخوة...) قراءة متعددة في إطار مشترك.. ومرحلة ختم النبوة انطلاقا من اختيار المكان (بكة/المكان المزدحم) تطلبت إجابات عن هذه الوجهة الجديدة فكانت آيات القرآن (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين...) (هدى للناس..) هي السبيل إلى ذلك.. وتفسير القرآن لنفسه هو التفسير المعتمد في ذلك، فليس هناك تفسير نهائي كما يقال...ويضيف قائلا: وعملية القراءة هذه تتطلب كذلك كفايات وقدرات فهي ليسن بالهينة ولكن تتطلب قراءة مقتدرة (الاجتهاد) وذلك استجابة لحاجات هذا الواقع المتجدد، ومن ثم يحتاج الأمر إلى أربعة عناصر: 
- الرؤية: فلا بد من صياغة رؤية حول إدراك هذا العالم المتغير في سرعته وحركته ومتطلباته انطلاقا من مرجعيتك العقدية والفكرية ولهذا الكون أهمية كبرى، فتجديد المصطلح أمر مطلوب انطلاقا من رصد جميع استعمالاته وخصائصه وهذا عمل تأسيسي.
- المركبات المفاهيمية: من أجل حوار منتج فعال لا بد من قراءة هذه المركبات المفاهيمية مثلما فعل الشافعي فتجميع المعلومات أمر مطلوب.- ترتيب الأولويات في طرح الخطاب: الصورة التي نعكسها نحن عن أنفسنا عبر المواقع الإلكترونية حارقة وفيها كثير من البؤس...
- ضبط الأنساق المعرفية والأطر المرجعية...- الحكامة والتدبير: تدبير العمل البحثي؛ البحث ضروري وليس تكميلي...فهذا النموذج الرباعي نسترشد به في جميع المجالات.ويضيف أن المجتمعات اليوم تعيش في أضرب من الحيرة، ويسعى الإنسان إلى البحث عن الهدايات.. التي يتمثلها مفهوم الشخصية؛ فالقيادة تحتاج إلى شخصية معينة من حيث التكوين والكاريزمات، والمفهوم الإسلامي غائب اليوم عن هذا الحوار العالمي.
إن الإلمام بما سبق حسب المحاضر في علاقتنا بالغرب كفيلة بالكشف عن أصول هذه الخلافات: تصفية بقايا الاستعمار، الغطرسة الاسرائيلية، المعايير المزدوجة، الإذلال والإهانة في المواقع الإعلامية (الصورة السلبية للإنسان العربي المسلم عبر المواقع الاعلامية، الخيرات الضائعة، الإشكال الكوكتيلي للعالم (العراق-البوسنة-افريقيا- بورما..) فهذه المسائل تتطلب نظرا وتبصرا، والطفرة المطلوبة انطلاقا من الفطرة الأولى للبشرية، واذا أمعنا النظر في كل ذلك أدركنا كيف لنا أن نعالج إشكال الوجهة في هذا العالم.. فالعدل والكرامة والوحدة أسس لهذا التوجه العالمي اليوم للخروج من أزمة الوجهة.... ولم يبق في ظل كل ذلك غير الكدح والعمل فالطريق سهل والمهيع ميسر...

متابعة: د.يوسف الحزيمري، ذ. منتصر الخطيب
اقرأ المزيد ...

د. أحمد عبادي يستعرض جهود الرابطة المحمدية للعلماء في حل النزاعات في السجون

د. أحمد عبادي يستعرض جهود الرابطة المحمدية للعلماء في حل النزاعات في السجون

د. أحمد عبادي يستعرض جهود الرابطة المحمدية للعلماء في حل النزاعات في السجونشكل موضوعا تعزيز حقوق السجناء وفقا للمعايير الدولية وتسوية النزاعات بالمؤسسات السجنية بالمغرب محور ندوة احتضنها أمس الأربعاء مقر المعهد العالي للقضاء بالرباط .

وأكد فضيلة الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، على أهمية احترام حقوق الإنسان وكرامة المعتقلين، مبرزا إسهام الرابطة المحمدية للعلماء في حل النزاعات في السجون، حيث ذكر في هذا الصدد، بالدورات التكوينية التي تنظمها الرابطة المحمدية للعلماء لفائدة بعض العلماء والوسطاء، فضلا عن نشر دليل حول مكافحة العنف وتعاطي المخدرات.


ومن جهته،  أبرز المنسق العام لمؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، السيد عز الدين بلماحي، الجهود التي بذلتها المؤسسة من أجل أنسنة الفضاء السجني وحماية كرامة السجناء بالمؤسسات السجنية التي تحولت إلى فضاءات للتأهيل المهني والمواكبة الاجتماعية والدعم النفسي والمعنوي.


وقدم لمحة شاملة على الاستراتيجية التي رسمتها المؤسسة من أجل إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني للمعتقلين، موضحا أن هذه الاستراتيجية تقوم على التعليم والتكوين المهني من أجل تمكين السجناء بالمؤسسات السجنية من الاستفادة من المساعدة الضرورية لتسهيل اندماجهم بمحيطهم الاجتماعي والاقتصادي بعد مغادرة السجن.

وشدد السيد مصطفى حلمي من المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، من جهته، على ارتباط هذه المؤسسة بقيم حقوق الإنسان طبقا لمقتضيات الدستور الجديد والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.


وتطرق إلى إصلاح المؤسسات السجنية بالمغرب والجهود المبذولة من أجل تقوية الحكامة الجيدة وموارد هذه المؤسسات بهدف تحسين أوضاع المعتقلين في إطار مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار توصيات فاعلي المجتمع المدني ومناضلي حقوق الإنسان.


من جانبه، ذكر الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، محمد الصبار، بالزيارات التي قامت بها لجان المجلس الجهوية للعديد من المؤسسات السجنية في المغرب، وكذا بالخطوط العريضة للتقارير الموضوعاتية التي أعدها المجلس حول الوضع بالوسط السجني.

كما دعا السيد الصبار إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان ونهج سياسة سجنية جديدة تقوم على احترام إنسانية المعتقلين وكرامتهم، وفقا للقانون المعمول به والقواعد الدولية في هذا المجال.

وبدوره، أبرز السيد فيليب ميكوس، متحدثا باسم بعثة الاتحاد الأوروبي في المغرب، الدعم الذي يقدمه الاتحاد لمشروع تعزيز حقوق المعتقلين وللجهود المبذولة من أجل تحديث السجون، والذي يندرج في إطار التزام المجموعة الأوروبية تجاه الإصلاحات الديمقراطية التي باشرتها المملكة.

من جانبه، قدم رئيس المنظمة غير الحكومية "البحث عن أرضية مشتركة" في المغرب، لمحة عامة حول نشاط منظمته في المملكة، مركزا على المشروع الرامي إلى حماية حقوق السجناء في المغرب وتأهيل المؤسسات السجنية.


ويتم إنجاز هذا المشروع، الذي يموله الاتحاد الأوروبي، من طرف المنظمة غير الحكومية المذكورة، بشراكة مع مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج والرابطة المحمدية للعلماء وبعثة الاتحاد الأوروبي في المغرب.

وشكلت هذه الندوة، التي انعقدت بمناسبة إطلاق مشروع يحظى بدعم العديد من الفاعلين المؤساتيين العموميين ومنظمات غير حكومية تعمل في مجال الدفاع عن حقوق السجناء، فرصة لاستعراض التقدم الذي أحرزته المملكة في مجال حماية حقوق الإنسان وكذا ا الأوراش الديمقراطية التي تم إطلاقها من أجل توطيد دولة الحقوق والمساواة.
اقرأ المزيد ...

تعرف على الرابطة

الظهير الشريف

الظهير الشريف
الرابطة المحمدية للعلماء، مؤسسة ذات نفع عام طبقا للظهير الشريف رقم 1.05.210 الصادر في 15 من محرم 1427هـ الموافق لـ 14 فبراير 2006، يوجد مقرها بالرباط عاصمة المملكة المغربية.
تخضع الرابطة المحمدية للعلماء من حيث مهامها وتكوينها وكيفيات تسييرها، لأحكام الظهير الشريف والذي يعتبر بمثابة نظامها الأساسي، وتسعى إلى تحقيق الأهداف التالية:
التعريف بأحكام الشرع الإسلامي الحنيف ومقاصده السامية والعمل على نشر قيم الإسلام السمحة وتعاليمه السامية والموعظة الحسنة واحترام مبادئ الوسطية والاعتدال.
المساهمة في تنشيط الحياة العلمية والثقافية في مجال الدراسات الإسلامية من خلال توثيق أواصر التعاون والشراكة مع المؤسسات والهيئات العلمية الأخرى ذات الاهتمام المشترك.
الرابطة المحمدية للعلماء، مؤسسة ذات نفع عام طبقا للظهير الشريف رقم 1.05.210 الصادر في 15 من محرم 1427هـ الموافق لـ 14 فبراير 2006، يوجد مقرها بالرباط عاصمة المملكة المغربية.

تخضع الرابطة المحمدية للعلماء من حيث مهامها وتكوينها وكيفيات تسييرها، لأحكام الظهير الشريف والذي يعتبر بمثابة نظامها الأساسي، وتسعى إلى تحقيق الأهداف التالية:

1.التعريف بأحكام الشرع الإسلامي الحنيف ومقاصده السامية والعمل على نشر قيم الإسلام السمحة وتعاليمه السامية والموعظة الحسنة واحترام مبادئ الوسطية والاعتدال.

2.المساهمة في تنشيط الحياة العلمية والثقافية في مجال الدراسات الإسلامية من خلال توثيق أواصر التعاون والشراكة مع المؤسسات والهيئات العلمية الأخرى ذات الاهتمام المشترك.

3.توثيق أواصر التعاون والتواصل بين العلماء والمفكرين والجمعيات والهيئات العلمية والمؤسسات الثقافية الوطنية والأجنبية.
اقرأ المزيد ...

المشاركات الشائعة

جميع الحقوق محفوظة لـمجلة الاشواق
تعريب وتطوير ( كن مدون ) Designed By